الشوكاني
113
فتح القدير
طويل . وكما اختلفوا في تحقيق معناها وماهيتها اختلفوا في عددها ، والفواحش جمع فاحشة : وهي ما فحش من كبائر الذنوب كالزنا ونحوه . وقال مقاتل : كبائر الإثم كل ذنب ختم بالنار ، والفواحش كل ذنب فيه الحد . وقيل الكبائر الشرك والفواحش الزنا ، وقد قدمنا في سورة النساء ما هو أبسط من هذا وأكثر فائدة ، والاستثناء بقوله ( إلا اللمم ) منقطع ، وأصل اللمم في اللغة ما قل وصغر ، ومنه : ألم بالمكان قل لبثه فيه وألم بالطعام قل أكله منه . قال المبرد : أصل اللمم أن تلم بالشئ من غير أن تركبه : يقال ألم بكذا إذا قاربه ولم يخالطه . قال الأزهري : العرب تستعمل الإلمام في معنى الدنو والقرب ، ومنه قول جرير : بنفسي من تجنبه عزيز * على ومن زيارته لمام وقول الآخر : متى تأتنا تلمم بنا في ديارنا * تجد حطبا جزلا ونارا تأججا قال الزجاج : أصل اللمم والإلمام ما يعمله الإنسان المرة بعد المرة ولا يتعمق فيه ولا يقيم عليه ، يقال ألممت به : إذا زرته وانصرفت عنه ، ويقال ما فعلته إلا لماما وإلماما : أي الحين بعد الحين ، ومنه إلمام الخيال . قال الأعشى : * ألم خيال من قبيلة بعد ما * وهي حبلها من حبلنا فتصرما قال في الصحاح : ألم الرجل من ألمم وهو صغائر الذنوب ، ويقال هو مقاربة المعصية من غير مواقعة ، وأنشد غيره : بزينب ألمم قبل أن يرحل الركب * وقل أن تملينا فما ملك القلب وقد اختلفت أقوال أهل العلم في تفسير هذا اللمم المذكور في الآية ، فالجمهور على أنه صغائر الذنوب ، وقيل هو ما كان دون الزنا من القبلة والغمزة والنظرة ، وقيل هو الرجل يلم بذنب ثم يتوب ، وبه قال مجاهد والحسن والزهري وغيرهم ، ومنه : إن تغفر اللهم تغفر جما * وأي عبد لك لا ألما اختار هذا القول الزجاج والنحاس ، وقيل هو ذنوب الجاهلية ، فإن الله لا يؤاخذ بها في الإسلام ، وقال نفطويه : هو أن يأتي بذنب لم يكن له بعادة . قال : والعرب تقول : ما تأتينا إلا إلماما : أي في الحين بعد الحين . قال : ولا يكون أن يلم ولا يفعل ، لأن العرب لا تقول ألم بنا إلا إذا فعل ، لا إذا هم ولم يفعل ، والراجح الأول ، وجملة ( إن ربك واسع المغفرة ) تعليل لما تضمنه الاستثناء : أي إن ذلك وإن خرج عن حكم المؤاخذة فليس يخلو عن كونه ذنبا يفتقر إلى مغفرة الله ويحتاج إلى رحمته ، وقيل إنه سبحانه يغفر لمن تاب عن ذنبه . ثم ذكر سبحانه إحاطة علمه بأحوال عباده فقال ( هو أعلم بكم إذ أنشأكم من الأرض ) أي خلقكم منها في ضمن خلق أبيكم آدم وقيل المراد آدم فإنه خلقه من طين ( وإذا أنتم أجنة ) أي هو أعلم بأحوالكم وقت كونكم أجنة ، والأجنة جمع جنين وهو الولد ما دام في البطن سمى بذلك لاجتنانه : أي استتاره ، ولهذا قال ( في بطون أمهاتكم ) فلا يسمى من خرج عن البطن جنينا ، والجملة مستأنفة لتقرير ما قبلها ( فلا تزكوا أنفسكم ) أي لا تمدحوها ولا تبرئوها عن الآثام ولا تثنوا عليها ، فإن ترك تزكية النفس أبعد من الرياء وأقرب إلى الخشوع ، وجملة ( هو أعلم بمن اتقى ) مستأنفة مقررة للنهي : أي هو أعلم بمن اتقى عقوبة الله وأخلص العمل له . قال الحسن : وقد علم سبحانه من كل نفس ما هي عاملة وما هي صانعة وإلى ما هي صائرة . ثم لما بين سبحانه جهالة المشركين على العموم خص بالذم بعضهم فقال : ( أفرأيت الذي تولى ) أي تولى عن الخير وأعرض عن اتباع الحق ( وأعطى قليلا وأكدى ) أي أعطى عطاء